كيف نعظّم استفادة أبنائنا من العطلة؟




بدأت إجازة نهاية العام، وها هم أولادنا يريدون الفكاك من القيد الأسري، والاستمتاع بتلك الإجازة التي كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر، بعد نحو تسعة أشهر من الدراسة، والبقاء أسر القيود التي وضعتها الأسرة وظروف الدراسة، ولكن إن تركناهم يفعلون ما يريدون فلن يستفيدوا شيئا من هذه الإجازة، ولن تكون لها أي قيمة في حياتهم، وإنما هي أوقات يضيعونها فيما لا يجدي ولا يفيد، وهذا أمر يأباه العقل والمنطق، ويرفضه الدين، فلابد من الاستفادة من تلك الشهور، بل تحقيق أقصى استفادة ممكنة.

يجب وضع برنامج مميز للاستفادة من تلك الإجازة، يكون شاملا متكاملا، يراعي كافة الجوانب الإيمانية والمعرفية والسياسية والاجتماعية والرياضية والقيمية والأخلاقية، وتنمية المهارات الفكرية والعملية ودعم الهوايات والقدرات الخاصة، وإن أي برنامج يتضمن هذه الجوانب هو لا شك برنامج ناجح –إن شاء الله- سيعظّم الاستفادة من الإجازة، بدلا من تضييعها في مجرد اللعب والترفيه فقط، وفي ذلك ميزة مهمة جدا، علاوة على الاستفادة من الإجازة، هي أن يتربى الطفل منذ الصغر على أهمية الوقت وقيمته، فلا يضيع الوقت فيما لا يفيد، حتى لو كان لعبا وترفيها، فليكن مفيدا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".

الجانب الإيماني:
يجب مراعاة المواظبة على صلاة الفروض في المسجد، وعلى رأسها صلاة الفجر، فعلى الوالد أن يصطحب أبناءه معه للمسجد ولا يتكاسل، وفي حال عدم وجوده يذهبون مع إخوانهم الكبار، أو ترسلهم الأم إذا كان المسجد قريبا ولا يخشى عليهم، ويجب تحديد ورد يومي من القرآن للحفظ وآخر للتلاوة، حتى لو كانت حفظ خمس آيات يوميا، وتلاوة صفحة واحدة، مع بعض الأحاديث النبوية القصيرة، على أن يواظبوا عليها طوال الإجازة، فخير الأعمال أدومها ولو أقل، وسواء كان التحفيظ عن طريق الوالد أو الوالدة، أو عن طريق المحفظين في المساجد أو في المنزل، المهم أن يكون كل ذلك تحت المتابعة الأسرية.

بعد أسابيع قليلة يبدأ شهر رمضان الكريم، في منتصف فصل الصيف، وحرارة الجو المرتفعة، وما يترتب عليه من شدة العطش، فيجب تدريب الأطفال على الصيام خلال الفترة المتبقية، استعدادا لذلك الشهر الكريم، لكي يتحملوا الصيام المتتابع لثلاثين يوم، وعلى الأقل ينبغي صيام ثلاثة أيام شهرية، وحبذا لو كانت الأيام البيض 13 و14 و15 من الشهر الهجري، ويجب تعويدهم إلى إخراج قليل من الصدقة، شريطة أن يكون من مصروفهم الخاص، حتى يشعروا بالفقراء والمساكين ممن لا يجدون قوت يومهم ولا يتنعمون بالنعم التي أنعم الله بها عليه.

الجانب المعرفي:
في الجانب المعرفي، لابد من الاهتمام بتنمية الوعي الثقافي لدى الأطفال، في جميع المجالات... فيجب التركيز على تنويع المادة المعرفية التي يتلقاها الأطفال في هذه المرحلة، مثلا في التاريخ يجب أن تتنوع المادة بين التاريخ الإسلامي وتاريخ الخلافة والدول اللاحقة، حتى التاريخ المعاصر، وفي الجغرافيا تتنوع بين جغرافيا الوطن ثم تتوسع المادة لتضم الوطن العربي والإسلامي، وهكذا، وفق مواد موضوعة خصيصا لهذا الأمر، وهي متواجدة لمن يبحث عنها، ولكي يتم تبسيط الأمر يمكن الاستعانة بالمواد المرئية، والبرامج الكرتونية أو برامج الأطفال التي بدأت تظهر خلال السنوات القليلة الماضية، بما يسهل معها الوصول للغاية المنشودة.

الجانب الرياضي والمهارات:
يقضي الأطفال في الدراسة تسعة أشهر متتالية، تسعة أشهر من الراحة والخمول الجسدي، وهم في أمس الحاجة بعد انتهاء الدراسة، إلى استعادة لياقتهم الجسدية مرة أخرى، فممارسة الرياضة وتنمية المهارات الرياضية أمر في غاية الأهمية، ولا يجب العدول عنه لأي شيء آخر بحال من الأحوال، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاشتراك في الأندية الرياضية القريبة، أو الصالات الرياضية، والاشتراك في دورات كرة القدم أو تنس الطاولة وغير ذلك من الألعاب المفضلة لتنمية الروح الرياضية، ويجب أن يكون ذلك تحت رعاية الأسرة حتى لا يقدم الطفل على ما يضره من الألعاب.

ويجب الاهتمام بتنمية المهارات والقدرات الخاصة واستكشافها لدى الأبناء، فهناك من يحب الرسم، فيجب تشجيعه وتوجيهه لرسم رسومات هادفة، وآخر لديه موهبة نظم الشعر، وثالث يحب القراءة الكثيرة، ورابع يحب كتابة القصص، وخامس يجيد برامج الحاسب مثل برامج الصور وخلافه، كل هذه المهارات يجب تنميتها وتشجيع أصحابها، ولا يجوز بحال أن يتم قمع هذه المهارات وإحراقها، فللأسف عانت الأجيال السابقة كثيرا من هذا، فكم من كاتب متميز أو شاعر بارع تم تجاهله وقمعه من قبل الأسرة!

الحاسب الآلي واللغة الإنجليزية صارت من أساسيات الحياة، فلابد أن يتعلم أبناؤنا حدا أدنى من التعامل مع الحاسب وبرامجه الأساسية كالأوفيس والتعامل مع الانترنت، وهذا أقل حد يمكن النزول إليه، ولكي نجيد التعامل مع الحاسب، يجب أن نتقن القدر المطلوب لذلك من اللغة الإنجليزية، والاشتراك في الدورات الأساسية في كلا المجالين، حتى يستطيع الأبناء التعامل مع لغة العصر بشكل متميز.

الجانب الاجتماعي والخلقي:
الجانب الاجتماعي، يتضمن تقوية العلاقات الاجتماعية والعائلية والأسرية، وصلة الأرحام، وذلك من خلال وضع جدول زمني مناسب مع الأولويات المناسبة، وكذلك عيادة المرضى، والأقارب في الأماكن البعيدة، حتى لا ينعزل الأبناء عن أقاربهم وتشب أجيال جديدة، ربما لو تقابل مع أقرب أقاربه لن يعرفه، ويمكن تنظيم رحلات عائلات وأسرية، لتقوية تلك الأواصر الاجتماعية، ودمج الأبناء مع العائلة والأقارب فيعتادوا عليهم ويشعروا بدفء الأسرة العائلة، وبمدى أهمية تلك العلاقات، وهي تزرع فيهم منذ الصغر الحب والألفة، وعدم التفريط في تلك العلاقات غير المبنية على المصالح، وأن يجعلوها أهم من المصالح حينما يكبرون.

يجب الاهتمام بالجانب الخلقي والقيمي، فغرس القيم الفاضلة في نفوس الأبناء منذ الصغر أم مهم، ففضيلة مثل التعاون يمكن غرسها في نفوسهم بسهولة، من خلال تكليفهم جميعا أو تكليف بعضهم بمهمة معينة، مرة واثنين وثلاثة، وتكليفهم بمساعدة الأم في ترتيب المنزل، كترتيب غرف النوم ونقل بعض الأغراض إلى المكان التي فيه إلى مكانها الصحيح، ويجب الاهتمام بزرع الأخلاق الفاضلة مثل الصدق والأمانة وغير ذلك، كذلك يجب مراقبة الألفاظ التي يتلفظ بها الأبناء، وخاصة عند الغضب أو الشجار، حتى لا يعتادوا على التلفظ بألفاظ سيئة، من خلال الاحتكاك بغيرهم في الأندية أو الشارع أو غير ذلك، يجب تحديد وقت زمني لمشاهدة التلفاز وتصفح شبكة الانترنت، وتحديد نوعية المواد المتاح لهم مشاهدتها.

تنبيهات هامة:
يجب الانتباه إلى عدة نقاط مهمة عند وضع البرنامج الصيفي وهي:
1- مشاركة الأبناء في وضع البرنامج وأخذ رأيهم فيه، وسماع مقترحاتهم وإضافتها إن كانت جيدة، أو رفضها مع بيان الأسباب إن لم تكن مجدية، وذلك يولد فيهم الحماسة، ويبعد شبهة الإكراه والتقييد، وتجعل فيهم رغبة ذاتية في تنفيذ ذلك البرنامج.

2- هذا البرنامج ليس قرآنا منزلا، فيمكن تعديله وتقييمه بعد فترة إذا لم تثبت نجاعته، فيجب أن يكون واضعو البرنامج بالمرونة الكافية، فيتم تقييم البرنامج كل .فترة، كما يجب أن يتغير من عام لعام.

3- يجب رصد وتخصيص جوائز وإن كانت رمزية للأبناء، بناء على تقييمهم ومدى التزامهم بالبرنامج كل فترة، وفي نهاية الإجازة، وهذه تشعل فيهم روح المنافسة والتحدي.